*" فرادة عراقيي الأربعينية ونظامهم الاجتماعي الديني " من كتاب: نهضة الحسين*

عاجل

الفئة

shadow


   للدكتور علي المؤمن

الفصل الخامس: مراسيم أربعينية الإمام الحسين... نموذج الإحياء الشعائري

   قراءات / أمير حسين.

   تُعدّ زيارة الأربعين واحدة من أكبر التجمعات البشرية السنوية في العالم، لكنها في رؤية الدكتور علي المؤمن ليست مجرد حشود مليونية أو ممارسة شعائرية، بل هي تعبير عن نظام اجتماعي ديني متكامل، تشكل عبر التاريخ من خلال الولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، والتمسك بالهوية المذهبية، والتكافل المجتمعي، والقدرة على التنظيم الذاتي.
 
وفي هذا المحور من كتاب «نهضة الحسين»، يقرأ المؤلف ظاهرة الأربعينية بوصفها نموذجاً فريداً للإحياء الشعائري، مستنداً إلى شواهد تاريخية وأرقام وإحصاءات تكشف حجم هذه الظاهرة وخصوصيتها.

يبدأ الدكتور علي المؤمن ببيان الدافع الحقيقي الذي يحرك ملايين المشاركين في مراسم الأربعين، 
مؤكداً أن هذا الدافع هو الولاء العقائدي والهوية الدينية، وليس أي دافع مادي أو اجتماعي.

   "إنّ الولاء العقيدي لآل البيت ومحبتهم، والانتماء الاجتماعي الديني والتمسك بالهوية المذهبية والاعتزاز بها، فضلاً عن الترميز الاجتماعي الذي تلجأ إليه الجماعة الدينية في مواجهة محاولات الاستلاب، كان ولا يزال هو المنشِئ للقواعد الدافعة لأغلب المشاركين في مراسيم إحياء النهضة الحسينية، ومنها الأربعينية الحسينية، وهي قواعد واعية جداً وذات دلالات عميقة، تهون عندها النفس والولد والمال والوقت والمرض والتعب، وكل المخاطر والعقبات والصعوبات، ولا علاقة لها بالجهل والرياء وإيفاء النذر والطمع في الجاه وطلب المال وإرضاء الآخرين."

  "والشيعي الذي عاش تحدي الولاء والقبض على الهوية في مواجهة عدوان النظام البعثي عليهما، يعي معاني هوان كل شيء من أجل آل البيت، وتجربة النجفيين في انتفاضة صفر من العام 1977 ضد نظام البعث الحاكم؛ لأنّه منعهم من أداء مراسيم المشي إلى كربلاء في أربعينية الإمام الحسين، وهم عزّل من السلاح، وكانوا يعلمون أنّ الخروج في المسيرة يساوي الموت، رغم أنّ مسيرتهم دينية محضة وسلمية، ودون أن يحملوا أي سلاح ودون أن يضمروا أية نوايا لممارسة العنف، لكنهم لم يأبهوا للموت، وخرجوا بعشرات الآلاف لإقامة المراسم، وكانت النتيجة اعتقال ما يقرب من (30) ألف معتقل وتسعة محكومين بالإعدام وعشرات المحكومين بالمؤبد أو السجن لمدد مختلفة."

بعد ذلك ينتقل المؤلف إلى قراءة نتائج هذا الوعي الجمعي على مستوى المجتمع والدولة، مستشهداً بما تحققه مراسم الأربعين سنوياً من قدرة تنظيمية وإدارية كبيرة، رغم التحديات التي يواجهها العراق.

  "وتُظهر الأرقام الواقعية بشأن حجم المراسيم السنوية للأربعينية الحسينية ووسائل إقامتها وأنساقها وتمويلها، تفوّق الأُمّة العراقية، تفوقاً كمياً موسمياً، على الأمم الأُخر، خلال خمسة عشر يوماً (5 إلى 20 من شهر صفر)، كما تُظهر بأنّ الدولة العراقية في الفترة نفسها، هي على رأس الدول الناجحة، برغم الإخفاقات والصعوبات والمحن والإشكاليات في المجالات الأُخر، والتي تطرحها وسائل الإعلام والتواصل المحلية والإقليمية، وخاصة الطائفية منها، صباح مساء، حقاً أو باطلاً، وهي تزيد العراقيين يأساً وإحباطاً، وجلداً للذات وتقريعاً للنفس.
فقد ظلت مراسيم أربعين الإمام الحسين، تؤكد كل عام، أنّ العراق شعباً ودولةً يحملان قدرة ذاتية مهمة على إدارة الأزمات، وإنتاج الصمود والصبر، والتكافل والتعاضد والتعاون، وحسن الإدارة والتدبير."

ويواصل الدكتور علي المؤمن استعراض مظاهر هذا التنظيم، متوقفاً عند الدور الذي تضطلع به مؤسسات الدولة العراقية في إدارة المناسبة، إلى جانب الجهود الشعبية والخدمية.

  "في هذه المراسيم السنوية تقوم الدولة العراقية من خلال الجيش والشرطة والإدارات المحلية والمؤسسات الصحية والخدمية، إلى جانب قوات الحشد الشعبي ومنظمات المجتمع المدني؛ بتأمين الجانب الأمني للمراسيم، وجزء من الجانب الخدمي، وتنظيم حركة المرور والنقل، إذ يتحرك في جغرافيا محددة أكثر من مليون ونصف المليون شخص يومياً مشاة أو بوسائط النقل، ولم تشهد طرقات تلك المساحة المحدودة اختناقات مرورية، بل ولم تشهد المراسيم المليونية الواسعة في جغرافيتها، منذ العام 2003، أية مشاجرات أو أعمال عنف أو حوادث مرورية أو انتشار للأمراض والأوبئة، عدا عن بعض الخروقات الأمنية التي كانت تحدث قبل العام 2007. كما تقوم السفارات والقنصليات العراقية في كل أنحاء العالم بمنح ما يقرب من ثلاثة ملايين تأشيرة دخول خلال شهر واحد تقريباً؛ أي ما معدله (130) ألف تأشيرة (فيزة) يومياً، وذلك قبل إلغاء التأشيرة لمواطني بعض الدول، ومنها إيران، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الدبلوماسية العالمية، حيث كانت سفارة العراق وقنصلياته الخمس في إيران، تتحمل العبء الأكبر في هذا المجال، وتعقبها في العدد سفارات وقنصليات العراق في لبنان والكويت وعُمان والإمارات وتركيا وباكستان والهند وآذربيجان."

  ويختتم هذا المحور بعرض صورة شاملة لحجم النظام الاجتماعي الديني الذي تمثله الأربعينية، مستنداً إلى أرقام يرى أنها تكشف عن قوة هذا النموذج واستمراريته.

  "النظام الاجتماعي الديني الذي يستطيع سنوياً تحشيد نحو (24) مليون إنسان من أتباعه، من (75) دولة، تحشيداً ذاتياً، في منطقة واحدة، ويسيرون مشياً على الأقدام باتجاه مدينة واحدة، على طرق مجموع طولها (10) آلاف كيلومتر، لمدة (2ـ30) يوماً، بدرجة حرارة (50) مئوية، وينصبون (100) ألف محطة خدمة مؤقتة على هذه الطرق، ممولة ذاتياً، تقدِّم بالمجان الطعام والشراب والإسكان والعلاج ومحلات العبادة وغيرها من الخدمات، وبواقع (500) مليون وجبة طعام، و(500) مليون لتر ماء، و(مليار) قدح شاي، و(100) مليون قنينة عصير، و(500) ألف طن من أنواع الفاكهة. 
ويرفع هؤلاء المشاة (3) ملايين علم وراية ويافطة، ويطلقون الشعارات والهتافات نفسها، ويمارسون المراسيم نفسها، كلّ بلغته، ثم يجتمعون في المدينة المقصودة في آخر يوم من هذه المراسيم؛ ليجددوا عهد الارتباط والانتماء والولاء لأحد أهم رموز نظامهم الاجتماعي الديني؛ من الصعب أن نتخيل أنّ بالإمكان كسر مثل هذا النظام الاجتماعي الديني."

   وفي ختام هذا المحور، يقدّم الدكتور علي المؤمن قراءة للأربعينية الحسينية بوصفها نموذجاً يجمع بين الإيمان والهوية والتنظيم المجتمعي، 
ويستدل على ذلك بجملة من الوقائع التاريخية والأرقام والإحصاءات التي يرى أنها تعكس قدرة هذا النظام الاجتماعي الديني على الاستمرار والتجدد، وعلى إنتاج التكافل والصمود والتنظيم الذاتي عاماً بعد عام.

الناشر

علي نعمة
علي نعمة

shadow

أخبار ذات صلة